الجبرتي

Standard

أحكي لكم قصة عبد الرحمن الجبرتي، ليس المؤرخ المصري المعروف، فهذا قد كتب عنه الكثيرون، بل هو جبرتي آخر، فإليكم قصته!

المشهد الأول: سجن الزقازيق العمومي:

فجر يوم الاثنين 25 يونيو 2018، علا صوت تلك الأحذية المقيتة في عنبر الدواعي داخل السجن، ليتوقف أمام زنزانة عبدالرحمن الانفرادية، لم يكن عبد الرحمن يعلم أن فجر هذه الليلة سيشهد مولده الجديد، أخبروه أن “أحمد عاطف” رئيس مباحث السجن يريد محادثته، لم يكن عبد الرحمن يعلم أن الحكم بإعدامه قد صار نهائياً واجب النفاذ، فلم يخبره أحد بهذا ولم يعطوا له فرصة لوداع خطيبته أو أسرته، ولكنه توقع أنه لن يدخل تلك الزنزانة التى يغادرها مرة أخرى.

طلب منهم أن يلقي السلام على إخوته في الزنازين الأخرى ولكنهم رفضوا، وأخذوه إلى غرفة الإعدام، وهناك كان شخص يراقب في صمت ودهشة ما يحدث؛ فالموقف بالنسبة له جديد وما سيقال فيه لم يسمعه من قبل في هذه الغرفة، ومنه تناقلت القصة.. قصة عبدالرحمن إبراهيم محمود، والشهير بـ “عبدالرحمن الجبرتي”.

المشهد الثاني: اعتصام رابعة العدوية

هناك بين الجموع كان عبدالرحمن الجبرتي يجلس بين الجموع تبهره الخطب والكلمات، يصدق أن هناك قيادات تعمل للنصر وأنه عند مجىء العصر سيرجع الرئيس إلى القصر، كان الشاب العشريني أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وكان شديد الإيمان بهم، شكل مع زملاء له مجموعة شبابية تشبه مجموعات التراس كرة القدم، ولكن في هذه المرة كان التشكيل للتعبير عن أنفسهم وما بداخلها من حماسة الشباب، كان اسم المجموعة التراس الأحرار، وعلى وقع هتافات “سلميتنا أقوى من الرصاص” صدق عبد الرحمن الوعود القائلة باستحالة فض رابعة، ولكن مشاهد دماء الساجدين في مذبحة الحرس الجمهوري ثم مذبحة المنصة، أبكت قلب الشاب النقي الرقيق، فرجا يومها أن يصير مثل مَن رحلوا بين يديه من الأنقياء مبتسمين، فارتدى حلة كتب عليها “الجبرتي مشروع شهيد”.

أتى الفض وأسقط رصاص الأوغاد أوراق توت الوعود الزائفة، ولكن ليته فعل هذا وفقط ولكنه اقتلع أيضاً أصدقاءنا وأحبابنا ورفقاءنا ورفقاء عبدالرحمن، لتغيب شمس ابتسامة عبدالرحمن.

مظاهرات ومسيرات بمدينة السويس استمرت لشهور من بعد الفض، لم يكن من الصعب تمييز عبدالرحمن بهتافه في بعضها، ولم يكن من الصعب قراءة عيونه الحزينة، تقل أعداد المتظاهرين بفعل ضربات الأمن وبفعل غياب الخطة وتمسك الفسدة بمناصبهم، لتبدأ أنباء الانتهاكات والاعتداءات الجنسية على المعتقلين والمعتقلات في التصاعد.

المشهد الثالث: مارس 2015

مجموعة من الرجال الملثمين يستقلون سيارة (فيرنا) يحاولون اغتيال أحد سفاحي النظام وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم أثناء وجوده بـ(فيلته) في مدينة السويس، اشتباك قصير مع قوة الشرطة المكلفة بالتأمين بضاحية الملاحة بمدينة السويس، تقول محاضر التحقيق إن مطاردة بدأت بعدها بقيادة الرائد “محمد سويلم” رئيس مباحث الجناين فى منطقة الألبان الجديدة بالقطاع الريفى وقتها، قتل في المطاردة أحد الملثمين وقتل ضابط المباحث، وتعددت الإصابات، ولكن دون الإمساك بأحد، لم يعرف أحد مَن وراء الاستهداف، ولكن سموا فاعليه بـ”الإرهابيين”؛ ففي مصر الرواية التى تُعتمد فقط هي رواية أعداء الحياة.

انطلقت ميلشيات النظام بعدها كالضباع المسعورة محاولة الحفاظ على كراسيها الفانية، لتشهد محافظة السويس موجة من الاعتقالات العشوائية والتعذيب، وكان من ضمن المعتقلين “عبدالرحمن”إذ اقتحموا منزله واعتقلوه وفق الأوراق بتاريخ 26 مارس 2015، ليُتهم بمجموعة من القضايا، ومنها قضية محاولة اغتيال وزير الداخلية برقم 119 لسنة 2016 عسكرية السويس.

المشهد الرابع: يجلس عبدالرحمن كممثل عن الشعب في قفص محاكمة ميلشيات النظام

لم يكن يهتم بالقضاة أو الحاضرين فقط كانت عيناه ترقب في حب خطيبته وأسرته، كان يطمئنهم بعينيه مبتسماً لكي يعينهم على قسوة قد تنال آذانهم من حكم الطغاة.

في السجن قضى عبدالرحمن جل أوقاته في حفظ القرآن وتدبره، يقول عنه رفقاء السجن إنه كان يعلم أنه سيأتى وقت ويلقى الله، وكان يمزح معهم هل سنتزوج من الحور العين أولاً أم سنتحرر من هذا السجن ونجاهد في سبيل الله ونحرر المسجد الأقصى أولاً؟

يقول عنه أحد رفقائه: رحلوني لعنبر عبدالرحمن في سجن الزقازيق في فترة سجن عبدالرحمن الأولى قبل الحكم بالإعدام، كان دائماً مبتسماً ورجلاً بمعنى الكلمة في أخلاقه واحترامه وضحكته وغيرته على دينه، لم يسمح لي زبانية السجن عند نقلي بأخذ ملابسي ومقتنياتي، فاستقبلني عبدالرحمن بابتسامة حبيبة وأخرج لي بعض ملابسه ومنشفة وقام باعطائها لي. السجن وضيقه يفرز معادن الرجال، وكان عبدالرحمن رجل عنده دين وأخلاق، بصراحة هو شهم وجدع ورجل.

بتاريخ 19 أكتوبر 2017، أحالت محكمة جنايات السويس العسكرية عبد الرحمن للمفتي، والذي وافق على الإعدام بتاريخ 14 نوفمبر 2017، ليتأكد الحكم في 11 ديسمبر 2017، لتتبقى مرحلة الطعن العسكري والذي لم يعلم عبد الرحمن برفضها إلا عند استدعائه لمولده الجديد.

المشهد الخامس: يصل عبدالرحمن إلى غرفة الإعدام

ويعتلي المكان المخصص لعمليات تنفيذ الإعدام، لم يكن يعلم مما يخاف المجرمون وهو الأسير بأعينهم وهم الأحرار، سأل عبدالرحمن ربه التثبيت وحسن اللقاء، وأنقل ها هنا نص ما حدث:

تقدم له شيخ قد أتوا به من وزارة الأوقاف ليقول له: قل لا إله إلا الله.

رد عليه عبدالرحمن: بل قولها أنت، “أنتوا متعرفوش حاجه عن ربنا وانتو بكده بتنفذوا حكم ظلم وبتساعدو الطاغوت السيسي وده حرام”.

قال موظف الأوقاف: تُب.

فرد عبدالرحمن: “توبوا انتوا الأول”، ثم التفت برأسه إلى رئيس المباحث أحمد وقال له “ده حرام يا أحمد، وظلم وأنتوا بنتصروا الطاغوت السيسي مش ربنا، وربنا هينتقم منك” ثم أخذ يبث فيهم كلماته الأخيرة حتى لا يكون لهم حجة أمام الله يوم القصاص الحق.

أصدر الأمر بتنفيذ الحكم، ابتسم أحمد ودعا لأحبته ونطق بالشهادة…

وأشرقت شمس عبدالرحمن الجبرتي.

وفي أحد عنابر السجن أرجع أحدهم لأصدقائه نظارة عبدالرحمن وخاتمه وملابسه.

وتلقت خطيبته ووالدته والأسرة خبر الإعدام، ليزفه أحبته إلى القبر بالتكبير.

بلغ خبره الآفاق فيحج عنه أحد المجهولين داعياً ربه لعبده.

المشهد السادس والأخير: يشرق فجر يوم جديد 

فجر يرافقه صوت ينبعث من بين شواهد قبور تلك البقعة الساكنة من الأرض، هناك وأمام قبر كُتب على شاهده “أبو قلب طيب” كان يجلس طفل صغير ينصت بانتباه لأبيه وهو يقص عليه قصة عبدالرحمن أمام شاهد قبره، تراقب عينا الطفل مقلتي أبيه وهما تلمعان مع كل جملة، فهاهنا معانٍ للحب والحزن والعزة، وفي القصة معالم لطريق للدفع بين الحق والباطل.

يحتضن الأب كفيّ ابنه في رقة وعزم قائلاً: أشهد الله أمامك يا بني، أن عبدالرحمن قد عاش مجاهداً صابراً محتسباً، عاش في سبيله مبتغياً إعلاء كلمة الحق، وكان دائماً يقول “طول ما لسه فيّ نفس يبقى لسه لي دور ورسالة لازم أتمها على أكمل وجه”.

ابتسم الابن وقد التمعت عيناه بصدق الرسالة.

وختاماً إلى كل حزين، لا أجد ما أقوله لكم إلا قول الله عز وجل لنبيه في كتابه الكريم:

“فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا”

والقصة مبتنتهيش

………………………………

هيثم غنيم

نشرت بتاريخ 28 نوفمبر 2018

Advertisements

معاني في الحب # 112

Standard

الإنسان دون حب وألم هو كيان مادي لابشرية فيه، حتى إذا أحب أدرك حقيقة بشريته وتفتحت له آفاق جديدة في فهمه ونظرته للحياة ومن بها، والإنسان إذا أحب فلابد بأن تمر به مرحلة من الألم، فإذا تألم شعر بآلام غيره فزاد جمال نضجه إن أراد، لأنه بعد الألم مخير في انضاج بشريته أو طمسها.

 

“والحب كالطير مختلف الأنواع فلاتحبسه في قفص واحد”

………………

هيثم غنيم

لم يعد سرًا.. تعرف على مدير جهاز “التعذيب” الوطني في مصر

Standard

رابط المقال برابط غير محجوب على موقع نون بوست:

لم يعد سرًا.. تعرف على مدير جهاز “التعذيب” الوطني في مصر

مضت سنة وثلاثة شهور على ترقية وتعيين اللواء محمود سيد عبد الحميد شعراوي، حيث تم ترقيته وتعيينه في 19 من ديسمبر 2015 من مساعد الوزير ومدير إدارة عامة بقطاع الأمن الوطني إلى مساعد لوزير الداخلية لقطاع الأمن الوطني، ومضى عام على تحقيقنا المنشور هنا على موقع نون بوست تحت عنوان الاختفاء القسري.. من داخل عاصمة جهنم، مضى عام وثلاثة أشهر، وحوادث الاختفاء القسري مستمرة حتى تجاوزت المئات، وتزايدت حالات التصفية الجسدية التي لم يكن جوليو روجيني أولها ولا الستة المختفون قسريًا في مدينة العريش الذين تم تصفيتهم واتهامهم أنهم إرهابيون قتلوا في اشتباك مسلح، وهو ما دفع منظمة العفو الدولية عبر بيانها هنا لطلب فتح تحقيق مستقل.

طول هذا العام منذ نشر هذا التحقيق مع ما أرفقته حينها من صورة تخيلية قمت برسمها عن طريق أحد المتخصصين، وأنا أبحث عن تطور أساليب التحقيقات والتعذيب داخل مقرات هذا الجهاز ومبانيه الجديدة، قادني البحث للكثير، سنكشفه في حينه تباعًا، ولكن رغم هذا البحث ظل هناك شغفًا داخليًا بي عن تتبع أخبار هذا اللواء وكل ما ينشر عن وزارة الداخلية على أمل أن أجد صورة حديثة له، وبهذا المنوال اعتمدت طريقة بحث تعتمد على التالي:

مقارنة الصورة التي قمت برسمها، وترونها هنا بكل صور لقاءات وزير الداخلية بمساعديه، ومحاولة إيجاد تطابق بين أي من الملامح الرئيسية.

وعلى مدار تسعة أشهر كان اليأس يصيبني في بعض الأوقات، وأننا لن نجد صورة اللواء محمود شعراوي صاحب أكبر ملف اختفاء وتعذيب وتصفية جسدية منذ أحداث 3 من يوليو 2013 في وزارة الداخلية، إلا بعد خروجه على المعاش أو إزاحته من الخدمة.

ولكن جاءت تفجيرات الكنيسة البطرسية بالعباسية لتعطيني طرف خيط وأمل جديد، فلقد قامت صحيفة البوابة وصحف أخرى بنشر صورة اجتماع لرئيس النظام المصري مع مجلس الأمن القومي.

وجاء في التعليق على الصورة أن هذا الاجتماع قد ضم رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الداخلية وعباس كامل ومدير المخابرات الحربية ومدير جهاز الأمن الوطني.

هنا بدأت البحث محاولاً إيجاد صورة بنقاء أعلى، وقد حددت دائرة البحث، حيث لم يكن سوى اثنين في الصورة لا أعرفهم، ومن المؤكد أن أحدهم هو اللواء محمود شعراوي، وفي هذا الإطار وجدت صورة دون أي لوجو، وقمت بتحديد الشخصين الوحيدين المحتملين بالدوائر الحمراء:

 

وبمراجعة تلك الصورة بالمعلومات السابقة عندي، من أن لون بشرة اللواء محمود شعراوي يميل للأسمر قليلاً، وينسق شاربه بطريقه معينة، وأنه ليس أصلع تمامًا، وبمقارنة تلك الصورة الأخيرة بالصورة التي رسمناها سابقًا، صار من المرجح عندي أن الشخص الجالس على يسار الصورة السابقة هو اللواء محمود سيد عبد الحميد شعراوي.

صار الآن البحث عندي أسهل، فقط عليّ استبعاد بشكل قاطع الشخص الجالس على يمين الصورة، قمت بمراجعة كل المواد الفلمية التي صدرت عن وزارة الداخلية في الأحداث المهة فقط، وتتضمن اجتماع وزير الداخلية بكبار مساعديه، فكان الموجود دائمًا فيها هو هذا الشخص:

 

لم يعد ينقصني الآن سوى صورة يظهر فيها من الأمام، وهو ما وفرته لي زيارة عبد الفتاح السيسي لمقر جهاز الأمن الوطني الجديد بتاريخ 5 من مارس 2017، حيث ظهر اللواء محمود الشعراوي ثلاث مرات منهم مرتين بشكل واضح في الصور:

 

 

الآن وبعد عام، أصبح لدينا صورة واضحة، للمسئول الأول لجهاز الإخفاء القسري والتعذيب الوطني (جهاز الأمن الوطني)، لعل البعض مازال يشكك بما نقول، كنا نؤجل نشر تلك المعلومات منذ شهرين لمزيد من التأكد، وبعد الزيارة صار كل شىء لدينا مؤكداً، ولكن النظام وفي تبجح واضح أعلن أيضًا صحة ما رصدناه، وفي تبجح واضح وعبر أحد أذرعته الإعلامية (قناة صدى البلد) أعلن أحمد موسى وهو مذيع بدرجة مخبر عن شخصية اللواء محمود شعراوي، ويمكن مراجعة الفيديو هنا.

جائت الزيارة تكريماً لجرائم جهاز التعذيب الوطني، جائت الزيارة في ذكرى اقتحام ثوار 25 يناير لمقرات هذا الجهاز، لتكون الزيارة رد اعتبار لهذا الجهاز وضباطه، رسالة تقول لهم وبصراحة: لقد تم لنا الأمر، فامضوا يا ابناء الشياطين، لتتركوا حق إلا وأزلتموه، ولا باطل إلا ورفعتوه، ولا مناضلاً إلا وعذبتموه ليرضخ، فإن أبى فاقتلوه.

عشرات الجرائم ارتكبت في عهد هذا الرجل، ولعل أشهر تلك الحوادث حادثة اختفاء الباحث الإيطالي جوليو روجيني يوم 25 من يناير 2016 ثم ظهوره بعدها يوم الأربعاء 3 من فبراير جثة هامدة نصفها عارٍ وملقى بإحدى الحفر في طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي وعلى بعد كيلومترات من مقر أمن الدولة بمدينة السادس من أكتوبر.

مئات من حوادث الاختفاء القسري حدثت خلال عهده، ظهر أفرادها بعدها على ذمة قضايا، بينما تم تصفية البعض مثل جوليو روجيني وغيره من عشرات الشباب المصري، وما زال المئات من ضحاياه من المختفين قسريًا مفقودين لا يعلم أهاليهم عنهم شيئًا.

البعض لا يعرف تاريخ هذا الرجل، وهو ما رصدناه سابقًا حيث إنه من مواليد سنة 1959، تخرج في كلية الشرطة سنة 1980، وتم تعيينه فور تخرجه بجهاز الأمن الوطني وهو شقيق اللواء محمد شعراوي أحد الذين تولوا منصب مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن الدولة في عهد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي.

كان من المطلوبين للثورة المصرية عقب 25 من يناير نظرًا لاتهامه في جرائم تعذيب، وحين نشر اسمه كان يحمل رتبة عقيد، وارتبط اسمه بفترات سيئة من تاريخ مصر واشتهر كأحد أبرز ضباط التعذيب في عهد مبارك تحت رئاسة اللواء محمد سعيد رئيس مكتب قسم مكافحة التطرف الديني فرع القاهرة (الذي قتل لاحقًا).

تميزت فترته بازدياد أعداد المختفين قسريًا على مستوى الجمهورية كما وثقت ونشرت العديد من المنظمات الحقوقية (النديم، التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، منظمة العفو الدولية).

كان يعمل في فترة نظام مبارك تحت اسم حركي “محمد لاشين”، حيث لا يعرف ضحاياه عنه في هذه الفتره سوى هذا الاسم، أطلق عليه بعض ضحاياه لقب “النجس، حيث إنه لا يتورع عن فعل أي شىء، كما أنه يستلذ بالتعذيب، ووفق أحدث ما رصدته، فإن أحدث طرق التعذيب التي صار يعتمدها، هو تعذيب بعض المختفين قسريًا بالجير الحي.

الآن وبعد عام من نشر تحقيقي الأول عن جهاز أمن الدولة، صار لدينا وبشكل معلن صورة المسئول الأول داخل جهاز الأمن الوطني عن تلك الجرائم، الصورة الآن بين يدي ذوي ضحايا عمليات التصفية الجسدية، وذوي وضحايا حوادث التعذيب والاختفاء القسري، لعلها تساعد يوماً دموع قلوب الآباء الصامتة حزناً، وآهات الأمهات على فلذات أكبادهم وهم يعذبون، ودموع الزوجات على أحبتهم الذين اختطفوا من بينهم، وتساؤلات الأبناء عمن حرمهم من آبائهم. الصورة بين يديكم من أجل أن يكتمل ملف العدالة بمعرفة المتهم.

لكي لا تضيع العدالة يوماً ما بدعوى عدم المعرفة.

………………….

هيثم غنيم

7 مارس 2017

ما بين اعتقال صحفي الجزيرة في مصر وتأثير فيلم العساكر

Standard

رابط المقال برابط غير محجوب على موقع نون بوست:

ما بين اعتقال صحفي الجزيرة في مصر وتأثير فيلم العساكر

رابط المقال على موقع نون بوست:

ما بين اعتقال صحفي الجزيرة في مصر وتأثير فيلم العساكر

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d8%a7%d9%83%d8%b1

“السلام عليكم يا أستاذ هيثم، أبشرك أن فيلم العساكر بتاع الجزيرة عمل رجة جامدة جدًا، وشركة كوين سيرفس التابعة لوزارة الدفاع، أصدرت قرارًا بمنع العساكر اللي بيمسحوا سلالم عمارات الضباط بتوع الجيش من تلك المهمة، وأيضًا من مهمة لم الزبالة، وشركة كوين سرفيس خلاص هتتعاقد مع ناس مدنيين يقوموا بالمهات دي، أما العساكر فهيبقوا أمن للعمارات فقط، ومش هنشوف تاني عساكر بتمسح السلالم، واضح إن قناة الجزيرة أثرت فيهم جدًا.”

كان هذا نص رسالة جاءتني من صديق قبل اعتقال سلطات النظام المصري الصحفي المصري محمود حسين العامل بقناة الجزيرة الإخبارية بمطار القاهرة، لم تكن هذه هي الرسالة الأولى التي تأتيني من قبل أصدقاء متفرقين وتوضح مدى تأثر النظام المصري بما حدث، بل استطعت الحصول على هذه الورقة التي تم توزيعها على العقارات الخاصة بسكن ضباط القوات المسلحة المصرية:

1

توضح الورقة أن شركة كوين سيرفس قررت وقف قيام عساكر الجيش المصري بجمع “الزبالة” من أمام شقق العمارات وعدم مسح سلالم العمارة، وأن العقيد – قمت بحذف اسمه – اتفق مع متعهد للزبالة بمقابل مادي، ومع سيدات لمسح السلالم بمقابل مادي أيضًا.

أثار هذا القرار غضب سكان العمارات من بعض ضباط وأسر ضباط وغيرهم من سكان عمارات القوات المسلحة المصرية، وقاموا بمهاجمة القرار في مجموعاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي كما تظهر الصورتان التاليتان اللتان قمت بأخذهما لهذه النقاشات مع حذف الأسماء.

2

3

توضح النقاشات حالة الغضب من القرار، وكيف أن هؤلاء السكان دفعوا مسبقًا أموالاً وضعت كوديعة يصرف من عوائدها بشكل شهري على مسألة النظافة وجمع القمامة.

أحد العساكر قال بعد قرار المنع هذا:

“العساكر في المنطقة مبسوطين أوي وبيقولوا الجزيرة نفعتنا جدًا، ووقفت أهانتنا”

لعل هذه الجملة الأخيرة هي ما لم تجعلني أتفاجأ عند سماعي لخبر اعتقال الصحفي المصري محمود حسين العامل بقناة الجزيرة الإخبارية، حيث توقعت أن يثير الفيلم ردة فعل انتقامية من قبل أجهزة النظام الأمني المصري، للأسباب التالية:

– شكّل عرض قناة الجزيرة لفيلم العساكر، كسرًا لأحد الخطوط الحمراء في الدولة العسكرية المصرية الحديثة وهو “التجنيد الإجباري”، ورغم مستوى الفيلم تحت المتوسط من الناحية التوثيقية، إلا إنني أرى أن الفيلم لم يكن هدفه التوثيق بقدر ما كان هدفه اقتحام تلك اللافتة “منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب أو التصوير” التي تزين أسوار المنشآت العسكرية كلها، والتي تحولت من بعد حرب السادس من أكتوبر 1973، حتى صارت لافتة تبعث على السخرية وهي تزين حتى المنشآت الفندقية التابعة للقوات المسلحة المصرية.

لذلك من فضلك لا تعتقد أنك تشاهد فقرة من فيلم كوميدي إذا كنت مارًا من أمام أحد الدور العسكرية المصرية التى تحتوي فنادق خدمية للجمهور وتجد يافطة إعلان تبرز من داخل الدار تظهر موعد عرض احتفالي باحتفالات رأس السنة يتخلله فقرات للرقص الشرقي للفنانة ….، ثم تجد أن السور العسكري الذي تقبع خلفه تلك اللوحة الإعلانية قد زين بلوحة “منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب أو التصوير”، فهل أصبح جسد الراقصة الشرقية منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب منها أو التصوير!

– جاء الفيلم ليخاطب بشكل نفسي وبلغة غير نخبوية وبشكل درامي النفسية المصرية، عن طريق إبراز قصص معروفة لعموم الشعب المصري عما يلاقيه، ولكنه وبشكل حرفي أرفق هذه الشهادات التي أظهرت إهانة أبناء الشعب المصري عبر توظيفهم في مهام غير عسكرية في أثناء فترات التجنيد الإجباري، بالإضافة لإهانتهم وإذلالهم بطريقة لا تتلاءم مع شرف العسكرية الذي يتم تصديره إعلاميًا بشكل كاذب.

وهذا ما جاء الفيلم ليظهره بلغة (العساكر) مصطحبًا معه في خلفية الروايات مقاطع مختلفة من الموسيقى العسكرية المصرية التي ارتبطت في أذهان الشعب المصري بمشاهد تم تصديرها كأمثلة على الشرف العسكري وجيش مصر العظيم، وهذا هو الأخطر بالنسبة للمؤسسة العسكرية، حيث إنها تعتبر أول محاولة جادة لتحطيم الصورة الذهنية المزيفة التي حرصت المؤسسة العسكرية المصرية على رسمها من بعد اتفاقية كامب ديفيد المخزية.

– الفيلم جاء ليظهر أن الشباب الذين يجندون إجباريًا وإضاعة ما بين سنة إلى ثلاث سنوات من أعمارهم في القوات المسلحة المصرية، لا يضيعون أعمارهم في الدفاع عن أرضهم، بل يضيع عمرهم ما بين الإهانة ومسح سلالم العمارات ورفع القمامة من أمام مساكن طبقة البهوات الجديدة في مصر، وقد يتفاجأ البعض عندما يعلم أن شركة كوين سيرفس هى الاسم التجاري لـ”شركة النصر للخدمات والصيانة“، وهي شركة مساهمة مصرية أنشئت عام 1988 طبقًا لأحكام القانون 159 لسنة 88 ولائحته التنفيذية، وهي إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابعة لوزارة الدفاع المصرية كما يظهر هنا، وهي شركة ربحية تدار من قبل أحد المسؤولين في وزارة الدفاع المصرية.

ويتم التجنيد الإجباري لأبناء مصر من أجل أن يذهب بعضهم للعمل بها ولغيرها وليس من أجل الخدمة العسكرية، بل في إطار سياسة استعبادية جديدة تقوم على استرقاق أبناء مصر بثمن بخس كي يزداد كبار الضباط ثراءً على ثراءٍ، وكل هذا تحت اسم الوطن.

أكتب هذا كي يدرك من لا يدرك منا وهم كثيرون تأثير الإعلام وتأثير أن نخاطب الناس على قدر عقولهم دون إسفاف أو كذب، أكتب هذا ليعلم الجميع تأثير تغيير معالجة القضايا الحقوقية ليتم تقديمها بشكل إعلامي شعبي مختلف، أكتب هذا أيضًا كي نعلم أن لكل حقيقة ثمن يدفع من حرياتنا وأعمارنا، وأن ما حدث للصحفي محمود حسين أتى في إطار انتقام النظام المصري من الصحافة والإعلام، في بلد أصبح شبابها يسكن ما بين المقابر والسجون.

………………………

هيثم غنيم

28 ديسمبر 2016

قصة جسد

Standard

لا أدري كم مر عليا من الوقت وأنا معلق هكذا، لم أعد أشعر بيداي، الكون من حولي صامت إلا من صراخ المحقق يسألني ويسأل، بينما تجيبه شفتاي بنفس الإبتسامة.

لا أدري هل تبلد جسدي المتدلي عارياً من سقف تلك الحجرة من كثرة التعذيب؟! أم أنه قد قرر الإستسلام لتلك الصعقات المتتالية من الكهرباء في كل مكان.

طيف أمي وأبي يؤنساني هاهنا مبتسمين، أتذكر لحظات الطفولة وحنوهما عند كل سؤال وضربة وصعقة فيأتي ردي على المحقق بالإبتسام.

يشتد صراخ الجلادين، ويشتد لهيب سياطهم، هل تلك القطرات المنهمرة من جسدي قطرات من عرق أم قطرات دماء تصرخ غاضبة من جسدي …

يخبرونه انهم قد نجحوا في فتح هاتفه وحسابه، وانه سيصلون لزملائه، يخبرهم إذن لم يعد جدوي من صمتي انزلوني وسأفعل ما تريدون.

يجعلونه يتصل بأولهم ، يطمئن أن محدثه ذاك الصوت الذين اقسموا يوماً امام قبر أخيهم، قسم الرجال، يبتسم مطمئناً عليه ثم يقول له جملة واحدة سريعة “أكمل لقد سقط”.

صوت ضربة قوية وتأوه شديد .. كان هذا آخر ماسمعه صديقه على الجانب الآخر من الهاتف.

تتوقف تلك السيارة السوداء في تلك البقعة الصحراوية النائية ليتدحرج منها جسد هزيل مخصب بالدماء، لتنطلق مسرعة تاركة غبارها على صاحب هذا الوجه المبتسم بعد أن فقدت عيناه بريق الحياة.

تأوه أم يخرج في صلاتها أمام ربها محتسبة وقد علم قلبها.

وشاب يجلس على بعد آلاف الأميال يكتب قصة #اختفاء_قسري، ختامها #اوقفوا_الاختفاء_القسري

وبين هذا وذاك وقفت أمام صديق تلألأت عيناه بدموع الفراق اشباح ليل تعلو شمس غضبها ليل حزنها … ليجددوا قسم تحمله الأعين.

………………….

هيثم غنيم

الأحد 13 نوفمبر 2016

صباح القاهرة الصامت

Standard
صباح القاهرة الصامت.
الشوارع خالية إلا من بضعة بصاصين هنا وهناك بزي مدني.
المشهد هذه المرة ليس ككل مشهد، فهناك ولأول مرة منذ ثلاث سنوات أعين ترمقهم بغضب يخفيه خوف من بين شرفات المنازل.
لم يعد هناك مكان للتهليل والرقص، كما كان سابقاً.
سينتهي اليوم كسابقيه، فيظن النظام أنه قد انتصر ويظن أنصاف الثورات أنهم قد هزموا.
ستدوي ضحكات الطاغوت في قصر الإتحادية مع دقات منتصف هذه الليلة.
منتشياً بما يظنه نصر، يعطي الأذن بالتوقيع على قرارات إعدامات الشباب من جديد.
بعدها بأيام أو أسابيع تندفع فرق التنفيذ، ترفع الراية السوداء على سجن الإستئناف بوسط القاهرة، ويشنق الشباب.
وبينما يتباكي أصحاب السياسة والوسطية والثورية الزائفة رجولة نزعوها من أنفسهم بأيديهم، يتشكل من بين الوجوه وجه جديد.
ملامحه غير مميزة دوماً، عيناه يكسوهما شىء عجيب، يبكيك يفرحك يغضبك يرعبك.
عينان تحمل طفولة سعيدة وحزناً خفي ممتزج بغضب رهيب.
يبدأ المشهد في الإختلاف، كل شىء يختلف.
أشباح تمرق في الشوارع والأزقة ليلاً.
دفء خاص ينتشر بين القلوب المؤمنة، وصراخ خونة يعلو، وبصمة عين على الحوائط تراقبها أعين من خلف الشرفات مازالت خائفة.
همس وهمهمات يتناقلها الناس في وسائل مواصلاتهم…. من هؤلاء ألايخافون؟!
يزداد جنون النظام، لقد صار صاحب العين حديث الأطفال.
يزداد جنون النظام، ويزداد الغلاء وجشع رجال النظام.
تمرق أشباح الليل من جديد، هذه المره بين أموال ومصانع ومخازن الخونة والعملاء.
يشتعل ليل الشتاء، لقد وهبوا الشعب دفء جديد.
لقد تركوا هذه المرة بصمتهم، لقد تركوا تلك العين العجيبة واضافوا اليها قسم الولاء.
ومن بين الشرفات شب هذا الطفل الصغير مزاحماً رأس أبويه لكي يرى…. ولقد رأى.
جدار مدرسة، يتسلل طفل صباح يوم أجازة ليزينها بنظرة الأشباح.
تبكيه عيون زملائه بعدها بأيام.
يرتدي الناس ثوب السواد، لقد صاروا يستدعون صاحب العين من جديد.
تمرق أشباح الليل من جديد، يعلوا صراخ الخونة ويزداد، تمرق الأشباح مختفية ولكنهم يتركون هذه المرة عين باكية على الطفل الوليد، تبكي الأعين كلها خلف الشرفات.
لم يعد الناس يهمسون كعادتهم في وسائل المواصلات، لقد صار لكل منهم الآن بصمة تلك العين …
لقد بدأ النصر

…………………..

هيثم غنيم

صباح الجمعة 11 نوفمبر 2016